فخر الدين الرازي

49

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 81 إلى 82 ] وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 81 ) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ( 82 ) اعلم أن هذا من بقية الجواب عن الكلام الأول ، والتقدير : وكيف أخاف الأصنام التي لا قدرة لها على النفع والضر ، وأنتم لا تخافون من الشرك الذي هو أعظم الذنوب . وقوله : ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فيه وجهان : الأول : أن قوله : ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً كناية عن امتناع وجود الحجة والسلطان في مثل هذه القصة . ونظيره قوله تعالى : وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ [ المؤمنون : 117 ] والمراد منه امتناع حصول البرهان فيه ، والثاني : أنه لا يمتنع عقلا أن يؤمر باتخاذ تلك التماثيل والصور قبلة للدعاء والصلاة فقوله : ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً معناه : عدم ورود الأمر به . وحاصل هذا الكلام : ما لكم تنكرون على الأمن في موضع الأمن ، ولا تنكرون على أنفسكم الأمن في موضع الخوف ؟ ولم يقل : فأينا أحق بالأمن أنا أم أنتم ؟ احترازا من تزكية نفسه فعدل عنه إلى قوله : فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ يعني فريقي المشركين والموحدين . ثم استأنف الجواب عن السؤال بقوله : الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ وهذا من تمام كلام إبراهيم في المحاجة ، والمعنى : أن الذين حصل لهم الأمن المطلق هم الذين يكونون مستجمعين لهذين الوصفين : أولهما : الإيمان وهو كمال القوة النظرية . وثانيهما : وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ وهو كمال القوة العملية . ثم قال : أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ اعلم أن أصحابنا يتمسكون بهذه الآية من وجه والمعتزلة يتمسكون بها من وجه آخر . أما وجه تمسك أصحابنا فهو أن نقول إنه تعالى شرط في الإيمان الموجب للأمن عدم الظلم ، ولو كان ترك الظلم أحد أجزاء مسمى الإيمان لكان هذا التقييد عبثا ، فثبت أن الفاسق مؤمن وبطل به قول المعتزلة ، وأما وجه تمسك المعتزلة بها فهو أنه تعالى شرط في حصول الأمن حصول الأمرين ، الإيمان وعدم الظلم ، فوجب أن لا يحصل الأمن للفاسق وذلك يوجب حصول الوعيد له . وأجاب أصحابنا عنه من وجهين : الوجه الأول : أن قوله : وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ المراد من الظلم الشرك ، لقوله تعالى حكاية عن لقمان إذ قال لابنه : يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [ لقمان : 13 ] فالمراد هاهنا الذين آمنوا باللَّه ولم يثبتوا للَّه شريكا في المعبودية . والدليل على أن هذا هو المراد أن هذه القصة من أولها إلى آخرها إنما وردت في نفي الشركاء والأضداد والأنداد ، وليس فيها ذكر الطاعات والعبادات ، فوجب حمل الظلم هاهنا على ذلك . الوجه الثاني : في الجواب : أن وعيد الفاسق من أهل الصلاة يحتمل أن يعذبه اللَّه ، ويحتمل أن يعفو عنه ، وعلى كلا التقديرين : فالأمن زائل والخوف حاصل ، فلم يلزم من عدم الأمن القطع بحصول العذاب ؟ واللَّه أعلم . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 83 ] وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ( 83 )